هل نغفر لبريطانيا؟

 

بكر ابوبكر

كثيرًا ما يتم ترداد مقولة "لا تجوز على الميت إلا الرحمة" وهو قول جميل ولطيف يُقصد فيك جلّ الناس ويقصد فيه التغاضي عن الصغائر والحزازيات المقيتة بين الناس.
ولا يقصد بالقول كل الناس قطعًا، فهناك من يكون في موته رحمة للناس والبشرية، وراحة لهم أمثال مقتل أوموت المجرمين والقتلة والإرهابيين والظالمين والاستعماريين والمرتزقة ....... وأصحاب الخطايا غير التائبين، وكثير من أمثالهم أي أولئك الذين حاربوا الله، وحاربوا الناس في أرضهم وبلدهم، وأنفسهم ووقوتهم ومالهم، ولم يكن لهم سعيٌ بالأرض الا الفساد والإفساد. فالدعاء برحمتهم هنا أوالاستغفار لهم لاقيمة له، ويجب ألا يكون، ولا يُستجاب بظني من رب العباد.
يقول المولى عز وجلّ في سورة التوبة مخاطبًا النبي الأكرم وقاصدًا المنافقين وبتشديد السبعين: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( التوبة80)).
وفي قوله ﴿ما كانَ لِلنَّبِيءِ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (التوبة: 113)
وفي تفسير الشيخ الطاهر بن عاشور يقول عن الآيتين مقارنًا (ومِن أجْلِ هَذا الجَرْيِ عَلى ظاهِرِ الحالِ اخْتَلَفَ أُسْلُوبُ التَّأْيِيسِ مِنَ المَغْفِرَةِ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ (رقم 80 بالتوبة) وبَيْنَ ما في آيَةِ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيءِ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113] لِأنَّ المُشْرِكِينَ كُفْرُهم ظاهِرٌ فَجاءَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم صَرِيحًا، وكُفْرُ المُنافِقِينَ خَفِيٌّ فَجاءَ التَّأْيِيسُ مِنَ المَغْفِرَةِ لَهم مَنُوطًا بِوَصْفٍ يَعْلَمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ ويَعْلَمُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِأجْلِ هَذا كانَ يَسْتَغْفِرُ لِمَن يَسْألُهُ الِاسْتِغْفارَ مِنَ المُنافِقِينَ لِئَلّا يَكُونَ امْتِناعُهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهُ إعْلامًا بِباطِنِ حالِهِ الَّذِي اقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرِيعَةِ عَدَمَ كَشْفِهِ.)
ويقول الإمام ابن حزم "ولا يحل سب الأموات على القصد بالأذى، وأما تحذير من كفر أو من عمل فاسد فمباح".
وعليه فلا يجوز التوقف عند المجرمين والظلمة والقتلة والإرهابيين والمستعمرين الدمويين في بلد أو سلطان أو نظام ما بمنطق ظاهر المقولة التي افتتحنا بها المقال، بذكر محاسنهم!؟
وماذا يمكنني القول بالحُسنى عن شخص أو جماعة أو نظام أو قادة بلد أشاع كل المفاسد في العالم عندما ينهار مثلًا أو يأفل نجمه؟! الى غير رجعة!
أأقول كان قادته يتميزون بوجهٍ جميل ومنطقٍ لطيف؟! ولبسٍ أنيق!؟ وهم كانوا استلوا سيوف الغدر والقتل والنهب واعملوا قتلًا وتشنيعًا بالناس!
أيغفر لهم مثلًا تبسم وجوههم والدماء تقطر من سيوفهم في أجساد الأبرياء!
أم يغفر لهم أنهم بقتلهم البشع وصلبهم "يطهّرون أرواح القتلى" كما كان يقول المجرمون فترة محاكم التفتيش الصليبية في أوربا العصور المظلمة بحق مخالفيهم بالمذهب أو العقيدة؟!
هل عندما يذهب الى رجعة مجرمٌ أوغل بدماء الأبرياء أن يكون لي أن استغفر له؟ وهو قتل أمي وأبي، أو جدي وجدك؟ أو احتل أرضي وأرضك؟ وكيف ذلك ويا لها من مأساة إن أقمت له العزاء أو الحداد وهو صاحب أكبر جرائم الانسانية أو جرائم التاريخ؟
لا. يجب ألا ننسى، بل ويجب أن نورّث عدم النسيان للأجيال لكي تسترد الحق الساطع من الظَلَمة، وحينها تختلف الصورة ويختلف الرأي وتبدأ السياسة بالحديث وتتسع الصدور وتحتضن.
هل من الممكن أن نترحم على مَن قتل الملايين من الناس في الحرب الأوربية (المسماة العالمية) الثانية من مختلف الدول المتحاربة ضد بعضها البعض؟ وهل لنا أن نطلب المغفرة لستالين الذي قتل من شعبه الملايين؟ أو ندعو بالرحمة لهتلر الذي بشّع بالمخالفين من الأبرياء يهود أوربا والأمم الأخرى المخالفين له؟!
بالقطع لا، ولنا في الأمثولة التي يضربها يهود العالم في عدم النسيان، ما يجب أن نستفيد منه باستمرار إحياء الجرائم ضد الانسانية عامة، وضدنا في النكبة جريمة العصر الكبرى، وفي المذابح الصهيونية بالعشرات في دير ياسين والطنطورة وكفر قاسم وبحرالبقر وقانا وصبرا وشاتيلا وتل الزعتر...الخ.
في إطار الرحمة والاستغفار أوطلب الصفح والتسامح يكون المبرر هو طيب خلقنا من جهة ما يُحض عليه عامة وبشكل طبيعي بين الناس وضمن التمييز القرآني أعلاه، ومن جهة أخرى طلب المغفرة من فاعل الخطيئة، أو الاعتراف بالخطايا منه وتصليح الخطيئة ما قد يجوز معه فهم معنى تغيير التفكير أو النظر أو الدعاء.
بمعنى أوضح هل لنا أن نسامح أو نغفر لزعماء دول العالم الاستعمارية القميئة ما فعلته من جرائم بالشعوب المحتلة، جرائم تاريخية، وجرائم ضد الانسانية تحت دعاويهم بالتعمير أو نقل الحضارة الأوربية المتعالية للأمم البربرية! أو أنهم من العرق أو الدم الأنقى ما هو فهم عنصري بغيض؟ (سبعين مرة أو ألف مرة!؟)
وهل يغفر لزعماء حكمتهم العقلية الاستعمارية قرونًا وأسالوا دماء الملايين وزرعوا الرعب ونهبوا الثروات وأطفأوا شموع النور في الأمم، وسرقوا تراثها وحضارتها وكتبها ونسبوها لهم، وأقعدوا انفسهم موقع الإله يتحكمون بشعوب الأرض فيزرعون الشر هنا ويتعطفون على عبيدهم هناك؟
ساء الكثيرون من أبناء الأمة العربية والاسلامية -ما لاحظته- من ذكر محاسن الامبراطورية الانجليزية! التي غابت عنها الشمس للأبد، في ظل موت الملكة التسعينية، وأقاموا العزاءات والغفران والعرفان! وكأنهم يحتفون بامبراطورية الشر التي زرعت في بلادنا الفُرقة والتقسيم والتشتيت حتى اليوم، وألبستنا ثوب الذِلّة والاستعمار والتبعية والاحتلال، فيما لم نستطع حتى اليوم منه فكاكًا؟
الجهاد والمقاومة والكفاح للتخلص الذاتي والجماعي من التبعية الغربية، ومن العقلية الاستهلاكية، والتخلص من الأسْر أو الانبهار للغة وعادات وثقافة الآخر وبالتخلص من احتقارالذات وتواصل دونيتها، والتخلص من الاحتلال وعقلية المستعمر والأجير والمستعبد هو جهاد وكفاح وصراع متواصل يجب ألا يتوقف فينا الا بالنصر بإذن الله تعالى على أنفسنا أولًا ثم في المحيط.
عبّر أحرار الأمة عن نقمتهم من زعماء غربيين قَتَلة استعماريين العقلية معظمهم إنجليز(هل لنا غفران خطاياهم أم هل تجوز عليهم الرحمة؟! أم ماكان لنا الاستغفار لهم؟) زرعوا في بلادنا العربية وفي قلبها فلسطين عبر إعلان بلفور ثم صك الانتداب ما لم يكن لهم حقًا بتاتًا. زرعوا الاحتلال الصهيوني مربوطًا بخرافات وأكاذيب ما هي إلا نتاج العقلية الاستعمارية المهيمنة الاقتصادية الجيوسياسية الغربية التي ما زالت قائمة حتى اليوم.
إن فلسطين هي فلسطين التي كانت منذ الأزل والى الأبد لأصحابها، مهما تكالبت دول الاستعمار الغربي كلها لترسم خطًا جديدًا في صكّ الانتداب وبعده، على غير ذلك ما لايجوز معه نسيان عار الأمم الاستعمارية وعلى رأسها الامبراطورية البريطانية الآفلة، وخطيئتها العظمى التي يجب اليوم أو غدًا الاعتذار عنها بوضوح، ويجب على هذه الدول وريثة الاستعمارالبغيض أن تنتصر للضمير العالمي بالوقوف مع فلسطين العدالة والحق، فلا تعاند سيرورة التاريخ الذي لن يرحم.
#فلسطين_لنا
#بكر_أبوبكر

نداء فلسطين