الذات والأمل والمقاومة الشعبية

نداء فلسطين -
 
 
 

بكر أبوبكر

 

أغلب حركات المقاومة الشعبية والسلمية، في سبيل توجهها نحو التغيير الاجتماعي/ السياسي في ظل أنظمة دكتاتورية أو في طريق جهدها لهزيمة العدو أو المحتل، يجب أن تنطلق من رؤية قادرة على تحديد مصادر وأعمدة دعم هذا الخصم بما فيها عناصر قوته المادية والمعنوية والقمعية، وحالة الاستسلام والخنوع والتعاون والسلبية التي تميز الشعوب الخائفة والخانعة. فالمستعمِر أو الدكتاتور على حد سواء لا يعتمد فقط على قوة القمع والتوحش لديهم، إنما –أيضا- على الخضوع والخنوع عند عامة الناس عبر استعدادهم الدائم للتعاون والتجاوب مع سياسات المحتل أو الدكتاتور على حد سواء، بما فيها دفع الضرائب واحترام قوانين القمع، والوقوف في طوابير الانتظار أمام مؤسسات وأجهزة الخصم، أو المحتل.

نظرية حرب الشعب

وإن كان في القول السابق ل"جين شارب"[1] ما ينطبق على الحالة الكفاحية في فلسطين فإن في تعريفات الحرب الشعبية طويلة الأمد أو طويلة النفس ما يجعلنا نقارن ونوازن، حيث تحفل أدبيات الثورة الفلسطينية بالإشارات لحرب الشعب. ومنها تُعرّف حرب التحريرالشعبية[2] بأنها حرب الشعوب الضعيفة والمقهورة المتطلعة دائماً الى الحرية، والاستقلال، وهي حرب سياسية تعتمد في الأساس على ضرب ركائز العدو السياسية والاقتصادية و ضرب البنية التحتية للعدو،وصولًا للتحرير.

ونظرية حرب التحرير الشعبية التي تبلورت عبر عديد نماذج الثورات الشعبية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما حال المقاومة الشعبية المدنية (او المسماة السلمية أيضًا) تتطلب شرطيين أساسيين لتحقيقها : -

1- ان تكون طويلة الأمد: لمواجهة التفوق الساحق للعدو في كافة الميادين المادية والتقنية والفنية والاستخبارية ولا يتأتى ذلك إلا عبر تنمية و تطوير قوى الثورة الشعبية تدريجياً والاستفادة من القوى والامكانيات الكامنة لأن اطالة الحرب (او المقاومة الشعبية السلمية) يعطي فرص كبيرة لتطوير القدرات عبر الممارسة الشعبية وكسب أعداد أكبر من الجماهير للانخراط في أتون المقاومة الشعبية. ثم كسب المحيط الجغرافي فالعالمي الى صف القضية العادلة ونماذج المقاومة. 

2-أن تكون معتمدة أساسًا على الذات ما يعني القدرة على مواجهة الضغوط والحصاروالتفوق المادي والعزلة المفروضة حول الثورة والمقاومة من كافة الاتجاهات و خلق امكانيات الصمود (ذاتياً) حتى تغيير الظروف الموضوعية المحيطة المتدخلة في ساحة الصراع وفي هذه الحالة كما تقول أدبيات الثورة عن حرب الشعب ما ينطبق على المقاومة الشعبية (فإن الاعتماد على الذات يكون شاملاً لكافة المجالات ابتداءاً بوضع الخطط والتكتيكات المناسبة التي توفر مقومات الثبات والصمود على الأرض ماديا وفكريا وثقافيا ....مروراً بالتجهيزات والتدريبات، وتوفير الامداد التموين وانتهاءاً بحل المشاكل الغذائية والاجتماعية والصحية للسكان) .

النموذج الفيتنامي ولكن

في إطار النموذج الفيتنامي الذي لا ينطبق على الحالة الفلسطينية بكليته (حاليًا نحن في العام 2022م) سوى شحذ الإرادة وهدف النضال والنصر يمكننا النظر أن تلك الحالة التي كانت النموذجية للثورة الفلسطينية في مرحلة سابقة قد مرت بثلاث مراحل

 1-المرحلة الدفاعية: -

السمة العامة لهذه المرحلة من ناحية الثورة تكون قوتها ضعيفة، وحداتها صغيرة ، خبرتها قليلة، أسلحتها بدائية تتماشى مع العمليات الصدامية.

2-مرحلة التوازن او التعادل :

السمة العامة لهذه المرحلة من ناحية الثورة الصمود في وجه العدو، وعدم التراجع امام قواته بل مقارعتها وتصليب عود القوات الثورية وازدياد عددها وتطور تنظيمها وفروعها .

3-المرحلة الهجومية وكان من أهم تكتيكاتها عامل المفاجأة والقدرة على الحركة والهجمات الشديدة والانسحاب السريع، واختيار أرض المعركة بدقة لا الانجرار وراء العدو والازعاج المستمر وتفتيت قوى العدو.

التكتيك والتعبئة

تعتمدُ الحربُ الشعبيّةُ الثوريّةُ في مسألةِ التكتيكِ والتعبئةِ على ستِ نقاطٍ أساسيّةٍ ما يمكن الاستخلاص منها أي من السياق العسكري الى السياق الجماهيري السلمي ألا وهي:

ــ الحيلةُ أو الخدعةُ، فالحربُ خدعةٌ، ولا بدَّ للمقاتلين الثوريّين أن يخدعوا العدو بحيث يتوهمُ العدو بأنَّ الهجومَ عليه سيكون من المنطقة (أ) على سبيلِ المثال، لكنّ الثوارَ يهجمون عليه من المنطقةِ (ب) ما يمكن تطويره بإطار المقاومة الشعبية بتكثيف المواجهات في مقابل عصابات المستعمرين الإرهابيين وحماية القرى والمدن وكثافة الحضور الجماهيري.

ــ المبادرةُ، يجب أن تكونَ بيد القطاعات أو المواقع الشعبية بحيث تفرض على العدو حالة الاستنفار والانزعاج الدائمين بتواصل الحراكات (تظاهرات عارمة، لافتات، صدّ المستوطنين، غرس الزيتون أو قطفه جماعات،....)

ــ السرعةُ في تنفيذِ المواجهات، وعدم تركِ المجالِ للعدوِ ليصحوَ من هولِ المفاجأة وأن يبقى في حالةِ الصدمةِ. هذا ما يكون في حالة العمل العسكري. أما في الحالة الشعبية في فلسطين فإن السرعة تكمن في التعامل مع اعتداءات المستوطنين، وما يستوجب ذلك من يقظة وسرعة واستعداد دائم وإقدام.

ــ السريّة التامة وعدمُ التحدثِ لأيّ كان عن مكانِ وموعدِ أي فعالية ذات قيمة مفاجئة. وفي الإطار الجماهيري فإن السرية تكمن بالحفاظ على طبيعة الاتصالات البينية وعدم كشفها للعدو أي تلك التي تحرّض على التظاهر وتحشّد وتجابه بجسدها اعتداءات الإرهاب الصهيوني.

ــ الضغطُ على العدوِ وتشتيت جهوده، وعدمُ إعطائه فرصةً لتنظيمِ صفوفه (لينتقلَ للهجومِ) أو لإراحةِ جنوده، ويقول بهذا الصدد القائد الصينيّ الكبير ماوتسي تونغ: " انسحبوا إذا تقدم وأزعجوه إذا أقام وهاجموه حتى يتعبَ وتابعوه إذا انسحبَ". ومن هنا يمكننا الاستفادة شعبيًا والقول بضرورة  التوسع الجغرافي والسكاني/الشرائحي والعملياتي للمقاومة الشعبية (كما الحال في الانتفاضة الكبرى الأولى والثانية....) مع خطة محددة وتوافق ودعم قيادي ومثابرة يحقق الغرض.

ــ الاستطلاعُ الدقيق، أو الحذر قبل العملية مهم جداً للفعل العسكري. وهو للفعل الشعبي يقتضي أيضا أخذ الحذر دومًا من غدر الاحتلال وعدم الاسترخاء أو التراخي.

 

الأخطاء القاتلة:

كثيرة هي الأخطاء القاتلة في أي حرب شعبية طويلة النفس (الأمد) أو في أي انتفاضة كما في أي مقاومة شعبية، وكما يورد المفكر منير شفيق في كتابه عن ست ثورات عالمية ويتم التركيز على أشدها فتكًا وهي:

1.    غياب التخطيط الإستراتيجي للهجوم، أو المواجهة.

2.    غياب اتخاذ الخطوات المدروسة بدقة قبل أوان المواجهة.

3.    التحضير المتأخر والبطيء للعمل الثوري

4.    غياب المرونة في القرار الميداني.

5.    غياب النضال في الجبهة السياسية. (والاعلامية والخارجية)

6.    غياب الالتحام المستمر بالجماهير.

7.    غياب الأهداف الواضحة.

8.    عدم الاستفادة من الثورات القوية.

9.    غياب دراسة الأخطاء عند القيادة.

10.                      التقليل من النضال السلمي.

11.                      غياب الاستقلالية في القرار والخضوع للإملاءات الخارجية.      

12.                      عدم دراسة حجم وتأثير القوى المناوئة.  

 أسس القيام بأي مقاومة شعبية

إن قيام أي حالة مقاومة وكفاح وجهاد ورِباط تستوجب اتخاذ خطوات مرتبطة بخطة عمل موحدة البناء، ولامركزية التطبيق مبنية على استراتيجية تقدم مفصلة ومحددة الأهداف يتم إقرارها من قيادة ناهضة وعازمة ما يستوجب توفر:

ــ الثقةُ بالله سبحانه وبعدالة القضية، وبضرورة التضحية والإيمانُ بالنصر.ِ  

-خطة عمل موحدة، واستراتيجة وأهداف واضحة المعالم لقيادة موحدة ذات يقين.

ــ الانضباطُ الأخلاقيّ والقيمي بالتعامل مع الرفاق ومع الناس، والانضباط الميداني تجاه القيادةِ السياسية الموحدة

ــ التجهّزُ والتدريب والاعداد المسبق للفعاليات والنشاطات النضالية.

-المثابرة والديمومة والاستمرارية.

 

 القيادة السياسية والفهم والانتماء والامل

 في أدبيات الحرب الشعبية لم يغفل واضعوها العامل السياسي ما يعد الاستفادة منه ضروريًا حيث أن البندقية المقاتلة غيرالمسيسة قاطعة طريق.

من المهم فهمنا لطبيعة المعركة والمرحلة، والتحديات والفرص

وأنواع وحجوم القوى المتجابهة الصديقة والمعادية والمحايدة

وقدراتنا نحن أين تكمن وعوامل قوتنا بوضوح تام

كي لا نقع في فخ فتنة السلاح، أوالعقلية الانتحارية الفردية، أوالقوة النظرية المتوهمة، أو أسر الصورة لاسيما ووسائل التواصل الاجتماعي حاليًا، فتصبح الأفعال الفردية بديلًا عن الخطة والوحدة والعمل الجماعي. وإن كانت في كثير من الأحيان تأتي نتيجة القصور القيادي أوالانحراف أو التشتت الفصائلي.

 ومن هنا وجب فهمنا العميق لطبيعة التحديات والهدف أمامنا. وأمامنا اليوم عدو صهيوني عنصري استعماري مدجج بالتقانة والسلاح والاستطلاع وحرية الحركة داخليًا بل وإقليميًا وعالميًا، ونحن بظهر مكشوف عربيًا ومخلخل عالميًا وهو الى ما سبق احتلال قادر على الخنق والقتل والحصار بلا هوادة. بمعنى أنه يتفوق بالعامل العسكري والمادي، ولكنه يفشل وينهزم أمام عامل قوتنا البشري الذاتي الجماهيري وأمام إيماننا الراسخ بالله سبحانه وتعالى، وبعدالة قضيتنا و آليات عملنا ومواجهتنا ورباطنا وثباتنا ليقف عاجزًا من التصدي لمقاومتنا الشعبية الواسعة والممتدة.

نحتاج للتفريق بوضوح بين العمل العسكري رغم شرعيته الدولية التي لاجدال فيها في إطار فهم المرحلة والقوى، وبين العمل الشعبي الممتد الممزوج بروح الثبات والأمل والعمل، وفي حالتنا الفلسطينية الحالية هي المقاومة الشعبية السلمية[3] التي توافقت عليها كل الفصائل ما يستدعي الضبط السياسي في إطار قيادة سياسية واحدة مؤتلفة ببرنامج موحّد لا غنى عنه مطلقًا والا تحولت المقاومة الشعبية الى استعراضات محدودة، أو عمل مهرجاني موسمي، يتم استغلالها فصائليًا، ولا تشبع حجم تطلعات الجماهيروآمالها، ولا تحرك كثيرًا في المسار الصهيوني.

يقول المفكر الصهيوني جابوتنسكي وهو الأب الروحي للتطرف الصهيوني الحالي في الكيان الصهيوني أنه يجب تحقيق الاستيطان/الاستعمار بالقوة، و ]قتل الأمل[ كليًا وإيصال الآخر لحافة اليأس، لأن "كل شعب يحارب المستوطنين ما بقي لديه بقية أمل بأنه يستطيع التخلص من خطر الاستيطان. هكذا فعلوا... وهكذا سيفعل عرب فلسطين ما دام لديهم بقية أمل".

إن معسكر اليمين الجابوتنسكي الإرهابي المتطرف في" إسرائيل"، المتمثل في الألعبان "بنيامين نتنياهو" وسائر غلاة المستعمرين/المستوطنين على مختلف تصنيفات إرهابهم وتطرفهم (الوحشي، القلِق، المراوغ) يرى أن أيّ تفاوض مع الشعب الأصلي مالك الأرض، أي الشعب العربي الفلسطيني، لأجل إقامة دولته المستقلة، هو كسر في "الجدار الحديدي" لجابوتنسكي، لأنه بمنزلة إعطاء الأمل للفلسطينيين، مجدّداً، لتحقيق حلمهم في السيادة والحرية على أرض وطنهم، باعتبارهم شعباً حيّاً يستحق هذه الحقوق، وهذا يتناقض تماماً مع عقيدة جابوتنسكي التي تؤكد أن الشعب الفلسطيني لن يرضى بالمستوطنين والمستعمرين إلا إذا استسلم للقوة وفقد الأمل باستعادة الحق المغتصب. ومن هنا وجب علينا تعميق الإيمان بالنصر واحتضان الأمل ودوام التعبئة وحمل الرواية والانخراط بكافة أشكال المقاومة حتى يذوب الآخر في قهر مفاهيمه العنصرية والمتطرفة.

والى ما سبق لا شك بضرورة أن تتمثل المقاومة بعلاقات الانتماء العميق للقضية، والولاء والرفاقية والاخوة والصداقة التي هي بمثابة الغراء الذي يلصق الفدائي أو المقاوم المناضل بأخيه وبالهدف الأسمى أي فلسطين، ومن هنا وجب التخلص من النزاعات و المشاجرات التنظيمية الضيقة والشخصية لننطلق نحو التحرير.  

#بكر_أبوبكر

الحواشي

[1]  جين شارب ( 1928 - 2018) هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس في دارتموث وارتبط اسمه بالكتابة والتأليف في الموضوعات الخاصة بالكفاح السلمي مستفيدًا بشكل أساس من تجربة غاندي، وقد استقت من كتاباته العديد من التحركات المناهضة للحكومات حول العالم.

2  من ادبيات حركة فتح حول حرب التحرير الشعبية، وكتب منير شفيق حول الموضوع واسهامات هاني الحسن.

3  نموذج: أسس غاندي ما عرف في عالم السياسية بـ"المقاومة السلمية" أو فلسفة اللاعنف (الساتياراها)، وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية في آن واحد ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وتهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق وتكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولا ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر. ويمكن النظر لنموذج النضال في جنوب إفريقيا بتمعن واستخلاص العبر والنقد، والابداع.

 

 



[1]  جين شارب ( 1928 - 2018) هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس في دارتموث وارتبط اسمه بالكتابة والتأليف في الموضوعات الخاصة بالكفاح السلمي مستفيدًا بشكل أساس من تجربة غاندي، وقد استقت من كتاباته العديد من التحركات المناهضة للحكومات حول العالم.

[2]  من ادبيات حركة فتح حول حرب التحرير الشعبية، وكتب منير شفيق حول الموضوع واسهامات هاني الحسن.

[3]  نموذج: أسس غاندي ما عرف في عالم السياسية بـ"المقاومة السلمية" أو فلسفة اللاعنف (الساتياراها)، وهي مجموعة من المبادئ تقوم على أسس دينية وسياسية واقتصادية في آن واحد ملخصها الشجاعة والحقيقة واللاعنف، وتهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمحتل عن طريق الوعي الكامل والعميق بالخطر المحدق وتكوين قوة قادرة على مواجهة هذا الخطر باللاعنف أولا ثم بالعنف إذا لم يوجد خيار آخر. ويمكن النظر لنموذج النضال في جنوب إفريقيا بتمعن واستخلاص العبر والنقد، والابداع.

 

نداء فلسطين